تعتبر التنمية الصناعية من أبرز المحاور الأساسية لتحقيق النمو الاقتصادي وتعزيز القدرة التنافسية للدول، إذ تمثل الصناعة رافعة أساسية لتوليد الثروة وتوفير فرص العمل وتحقيق الرفاهية الاجتماعية، وبالرغم من أهميتها إلا أنه في العقود الأخيرة أصبحت مصدرا رئيسيا للعديد من التحديات البيئية، ذلك أن الأنشطة الصناعية المختلفة وما تفرزه من ملوثات وانبعاثات ونفايات تؤثر سلبا على تدهور الموارد الطبيعية والنظم الإيكولوجية وصحة الإنسان، ومع تزايد الوعي العالمي بالقضايا البيئية والتغيرات المناخية برزت الحاجة إلى مراجعة النموذج التقليدي للتنمية الصناعية القائم على الإنتاج الكمي غير المستدام واستبداله بنموذج يوازن بين الكفاءة الاقتصادية والاستدامة البيئية.

وعليه فقد أصبح مفهوم حماية البيئة من التلوث الصناعي أحد الركائز الجوهرية لتحقيق التنمية المستدامة، إذ تسعى أغلب الدول لتطوير عدة آليات وسياسات وإجراءات تمكن المؤسسات الصناعية من التقليل في آثارها البيئية بشكل يحسن في أدائها البيئي، وتشمل هذه الآليات مزيجا من التشريعات البيئية والأدوات الاقتصادية التحفيزية والتقنيات النظيفة وأنظمة الإدارة البيئية، والتي تهدف إلى دمج البعد البيئي في مختلف مراحل العمليات الإنتاجية، كما برزت أهمية التقييم البيئي المؤسسي باعتباره أداة تساعد في قياس مدى التزام المؤسسات بهذه الآليات وفعالية تطبيقها على أرض الواقع.

وقد شهد القطاع الصناعي في الجزائر تطورا ملحوظا خلال العقود الأخيرة من حيث حجم الاستثمارات وتنوع الأنشطة خاصة في المجالات النفطية والطاقوية، مما جعل هذا القطاع أحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني غير أنه في الوقت ذاته من أكثر القطاعات تأثيرا على البيئة، وإدراكا من الدولة للمخاطر البيئية الناجمة عن النمو الصناعي تم اعتماد منظومة متعددة الأبعاد من الآليات القانونية والاقتصادية والطوعية بهدف التقليل من مستويات التلوث الصناعي، ورغم تنوع هذه الآليات وتكاملها من حيث التصور إلا أن فعالية هذه الآليات ومدى تطبيقها الميداني في المؤسسات الصناعية بالجزائر ماتزال تطرح تساؤلات مهمة تتمحور حول مدى تحقيقها للأهداف المرجوة، وفي هذا الإطار تظهر المنطقة الصناعية بحاسي مسعود كإحدى أهم وأقدم الأقطاب الصناعية في الجزائر، نظرا لتمركز عدد كبير من المؤسسات النفطية والصناعات المرتبطة بها وما ينجم عنها من عديد المظاهر للتلوث الصناعي، الأمر الذي يجعلها نموذجا ميدانيا مناسبا  لتقييم مدى فعالية آليات حماية البيئة في المؤسسات الصناعية الناشطة بها، وتحليل واقع تطبيقها داخل المؤسسات الصناعية الناشطة بالمنطقة.

تنبع أهمية هذه الكتاب كون موضوع حماية البيئة من المواضيع التي حظيت باهتمام كبير سواءا على المستوى العالمي أو المستوى المحلي خاصة في ظل رهانات التنمية المستدامة، والتي جاءت لايجاد توازن بين مسؤولية المؤسسات في الجانبين الاقتصادي والبيئي، كل هذا جاء نتيجة للمشاكل البيئية العالمية كظاهرتي ثقب الأوزون والاحتباس الحراري بسبب إفرازات الأنشطة الصناعية، وعليه يمكن اعتبار هذه الدراسة مساهمة في تقديم حلول للمشاكل المتعلقة بالتلوث الصناعي من خلال تقييم الآليات التي فرضتها الحكومة الجزائرية لحماية البيئة من التلوث الصناعي.

حيث تتجلى الأهمية النظرية لهذه الدراسة في سعيها إلى الإسهام في إثراء الرصيد المعرفي المرتبط بموضوع حماية البيئة في المؤسسات الصناعية، من خلال تسليط الضوء على أحد المواضيع الحساسة التي لا تزال تحظى باهتمام بحثي محدود، كما تهدف الدراسة إلى توفير أرضية نظرية يمكن الاستناد إليها في إنجاز دراسات مستقبلية، سواء كانت نظرية مكملة أو ميدانية تطبيقية، وبذلك تساهم في سد الفجوة المعرفية المسجلة في هذا المجال.